المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف رياح الوعي

القراءة العمودية

تحدثتُ في تدوينةٍ سابقةٍ عن القراءة الأفقية، والتي عنينا بها: (القراءة في موضوعات متنوعة لتتكون لدى القارئ خلفية موسوعية، ووعياً حول القضايا والشؤون عامة). أما هنا فسوف نتحدث نوع آخر من القراءة والتي أحببنا أن نسميها القراءة العمودية، والتي نقصد بها: (تركيز البحث والتعلم والاطلاع في حقل معرفي محدد، يكون وفقاً للتخصص والمجال الذي ينتمي إليه القارئ). تأتي أهمية القراءة العمودية من أنه لا يغني الاكتفاء بقراءات عشوائية في المكتبة شيئاً، دون وجود هدف ناظم لتساؤلات القارئ، إن القراءة في مجال محدد وتكريس العمر والوقت والطاقة له يعطي القارئ عمقاً، ودقةً، ونفاذاً في التفاصيل والفروع المعرفية حول المجال الذي يتناوله، وما يحدث في الدنيا من إبداعات واختراعات؛ إنما هو نتيجةً طبيعيةً للبحث في فروعٍ معرفية دقيقة، من قبل علماء متخصصين استغرقوا وقتهم في الدراسة والقراءة والبحث في تلك العلوم. التاريخ العلمي مدين لمجموعة من المتخصصين، الذين نذروا أنفسهم في خدمة فنون دقيقة. وعن طريق بذل قراءة مركزة وعميقة ومتواصلة عبر الأعوام؛ استطاعوا تطوير المجالات المعرفية والإضافة إليها، وإيجاد ثورات علمية، وا...

الموقف من الجديد

يستهلك البشر الكثير من التقنيات والوسائل والأساليب والنظم ، حتى يمر عليها فترة من الزمن فتفقد فاعليتها في حل المشكلات المعاصرة . وهذا يولد الحاجة الملحة لاستخدام أساليب ونظم جديدة للتعامل مع مشكلات العصر . وفي الوقت نفسه يٌولَد باستمرار في هذا العالم الكثير من الوسائل والأساليب والتقنيات التي تعالج المشكلات الجديدة ، وهي نفسها لها مدة صلاحية تنتهي يوماً ما ثم يأتي غيرها... وهكذا تتقدم الخبرة البشرية وتنمو وتتطور. يقف كثير من الناس –إن لم يكن أغلبهم!- من الجديد موقف التوجس والريبة والرفض أحياناً ، وذلك بسبب أن الجديد سيضطرهم إلى كسر الأنماط والعادات التي اعتادوها وورثوها كابراً عن كابر ، ولو لم يكن لتلك العادات أي مستند شرعي أو عقلاني ، وإن مما يؤسف له أن يتمسك بعض الناس بعادات وتقاليد بالية يضحون من أجلها بالكثير الكثير من المصالح والمنافع لأنها عاداتهم ليس إلا!. و الأسوء من هذا تقديم العادات والتقاليد على المنهج الرباني، فيكون الدين في هذه الحالة جزء من الثقافة وليس العكس، مع أن الصواب أن يكون الدين هو الحاكم على الثقافة والمهيمن عليها. والدين الإسلامي في بنيته العميقة فيه من ...

الوعي السنني

من رحمة الله تعالى بخلقه أنه لم يجعل الكون يسير بالصدفة ولم يجعله يخبط خبط عشواء ، بل جعله يسير على قواعد وسنن ثابته ، لا تتغير ولا تتحول ولا تجامل أحد على حساب آخر . وجعل ما يقع فيه يحدث وفق قانون عام دقيق ثابت صارم لا يخرج عن أحكامه شيء. تسري السنن الإلهية على الكون كله فتسري في عالم الموجودات المادية ، فتحكمه بقوانين فيزيائية وكيميائية ، كقانون الجاذبية وقانون القصور الذاتي وغليان الماء عند درجة 100 مئوية وتجمده عند درجة 0 مئوية.. كل هذه أمثلة على سنن أودعت في (المادة) . وتسري سنن أخرى كذلك في حياة (الأفراد والجماعات) ، فهي تحكم العلاقات بين الأفراد في المجتمع والعلاقات بين الأمم و وتحدد عواقب الأفعال وحركة التاريخ وسقوط الحضارات وقيامها والتغير الاجتماعي وغيرها والتداعيات المنطقية للحوادث. كل هذا لا يتم في وسط عبثي ، إنما ضمن إطار قانون عام صارم وحتمي وثابت لا يميز ولا يفرق بين إنسان وآخر ، إنما يسير على الجميع على حد سواء ، فالسنن الإلهية تجري على الأبيض والأحمر والأسود والغني والفقير والصغير والكبير والمؤمن والكافر والبر والفاجر . ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتا...

من أين تأتي الأفكار الجديدة؟

نلاحظ جميعاً أنه في كل مرحلة من مراحلنا العمرية تأتي تقنيات جديدة غير مسبوقة، وتنتشر أفكار لم نسمع بها من قبل. بل وكلنا سمعنا من آبائنا كيف أنهم لم يستخدموا عين الأدوات التي نستخدمها لأن كثيراً منها لم يظهر إلا بعد ولادتنا. هذه ليست حالة استثنائية. إننا كبشر نتقدم على مدى التاريخ إلى الأمام من خلال (الأفكار جديدة). ممكن أن تكون هذه أفكار تقنية كاختراع جهاز أو مركبة أو فكرة اجتماعية أو فكرة فنية تضيف لون من الجمالية جديد وغير مسبوق. يأتي في بالنا أحياناً أننا قد وصلنا إلى ذروة التقنية فما الذي بقي للأجيال القادمة من التقنيات والأفكار لم يخترعها الإنسان؟ وفي الحقيقة إن تساؤلاً كهذا موجود في كل عصر من العصور. فلا نلبث قليلاً إلا أن نفاجأ باختراع جديد (يكسر الدنيا)...!. دعونا نتذكر تلك اللحظات في عام 2007 التي لامست فيها أيدينا جهاز الآيفون. ما هذا الجهاز الذي يملك كل هذه القدرات؟ والتطبيقات الغير محدودة التي تختصر مكتب كامل في جهاز صغير تحمل فيه كاميرا، ودفتر ملاحظات، وماسنجر، وجهاز محمول موصول بالإنترنت، وبريد إلكتروني، وتقويم، وشاشة لمس مذهلة، وجهاز ألعاب، وشاشة ملاحة، وسوق افتراض...

القراءة الأفقية

نعيش اليوم في عصر التوسع المعرفي الهائل، فما تقذفه المطابع يومياً من كتب وما يأتي عبر الإنترنت من المقالات والمنشورات، أمر لم تشهد مثله البشرية قط، وهذا يشير إلى تصاعد أهمية الاعتناء الشخصي بالبناء المعرفي والتعلم المستمر وعدم الاكتفاء بالوقوف على ساحل التعليم الرسمي، ولعلنا نلحظ أن الأمم المتقدمة تمتاز عن غيرها بالشغف والهوس في البحث عن اكتشاف المجهول. لا أريد الاستطراد في أهمية القراءة والمعرفة فهذا معروف، إنما أريد التركيز في المقال على نوعين متمايزين من القراءة، فنستطيع تقسيم القراءة إلى قراءة عمودية (رأسية) وقراءة أفقية، نقصد بالعمودية تلك القراءة تعتني بحقل معرفي محدد ودقيق، أما الأفقية فهي قراءة عامة وموسوعية وشاملة. في الجامعات ومراكز الأبحاث التابعة للشركات الكبرى وغيرها، يمارس المتخصصون قراءة عامودية تركز التفكير والبحث في بؤرة معرفية محددة داخل تخصصاتهم بهدف اكتشاف حقائق ومفاهيم جديدة غير مسبوقة.  يتصف هذا النوع من القراءة بالدقة والنظرة الجزئية ويفيد جداً في التقدم الرأسي في العلم والتخصص الدقيق. لكن قج يصاب القارئ بقصور واضح في ثقافته حين الاكتفاء بهذا النوع ...

معالم في الإنصاف

لعل من أهم ما ينبغي العناية به في عصرنا هذا هو خلق الإنصاف ، والإنصاف فرع من قيمة العدل ، والعدل قيمة مطلقة ليست مقيدة بمكان ولا زمان ولا ظرف فالعدل واجب لكل أحد ومع كل أحد وفي كل الأحوال وليس هناك استثناء يذكر .  وإن ما يميز أهل الحق عن أهل الأهواء أن أهل الحق يقولون مالهم وما عليه بما يوافق رغباتهم ومصالحهم وما لا يوافقها، وأهل الأهواء والمبطلين لا يقولون إلا ما لهم . والإنصاف فيما أتصور يدور على ثلاثة محاور إحداها الإنصاف مع الخصوم فحين الخصومة ينبغي أن تعترف بفضائل خصمك كما تشير إلى مثالبه وأن لا تتجنى عليه أو تتقول عليه ، وثانيها الإنتصاف من الذات ، حين تشتد البصيرة بالنفس فتنطق بعيوبها وتتراجع عن أخطائها ، وثالثها إنصاف الأصدقاء والمحبين فحين يعقد الولاء والمحبة بين مجموعة يدفع هذا بعضهم إلى التعصب والمبالغة في الفضائل والتبرير للأخطاء . وسأسلط الضوء بإذن الله في هذه المقالة على جملة من المعالم على طريق الإنصاف والقيام لله تعالى بالقسط في التعامل مع الآخر، فهي تلك الفضيلة الإسلامية الشريفة المبثوثة في كتاب الله التي تستحق منا كل العناية : ( يا أيها الذين آمنوا ...

العقل المرن

أضحت المرونة الذهنية Cognitive flexibility اليوم شرطًا أساسيًا من شروط كفاءة التفكير، خصوصاً مع وفرة المعلومات وتعقد الظواهر، وقد نظن أن كثرة المعلومات تؤدي إلى تحسين التفكير، وفي الحقيقة أن هذا لا يحدث ما لم نمتلك قسطًا ملائمًا من المرونة الذهنية . في المجال الإنساني هناك علاقات لينة تربط بين الظواهر ، في حال عدم فهم هذه الطبيعة يتم قراءة الظواهر بصورة خاطئة . وللأسف الشديد نجد أن كثيراً من الناس لا يفهم من هذا المصطلح سوى التراجع والاستسلام .. وبالتالي يتحول من نقطة قوة إلى عيب من عيوب الشخصية! (بكار 1408 هـ) ويعرف د. جودت سعادة (المرونة) بأنها: المهارة التي يتم استخدامها لتوليد أنماط أو أصناف متنوعة من التفكير، وتنمية القدرة على نقل هذه الأنماط وتغيير اتجاه التفكير، والانتقال من عمليات التفكير العادي أو المعتاد إلى الاستجابة ورد الفعل وإدراك الأمور بطرق متفاوته أو متنوعة. (تدريس مهارات التفكير 219) أ- من مظاهر المرونة الذهنية القدرة على النظر لأي موضوع من زوايا مختلفة والقدرة على تغيير اتجاه التفكير وتوليد أنماط جديدة للتفكير، وتسمى علمياً بالمرونة التلقائية ...

صناعة التفاهة

الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد . فهذه الورقة القصيرة والحروف الصغيرة التي أطمح أن تكون معينة بعد توفيق الله ، على صياغة تصور عام لفيلم سيعرض في فضاء الإعلام الجديد ، وينشر في وسائل التواصل الاجتماعي ، وسيتناول ظاهرة صناعة التفاهة والمحتوى الرديء في وسائل التواصل الاجتماعي وأثره على الشاب كمرسل ومستقبِل وما تجره من آثار وتداعيات مقلقة ومؤثرة سلباً على المجتمع بأسره والشباب بشكل أخص ، وهذه الورقة ليست سيناريو ولا نص ولا نقاط يجب التقيد بها ؛ لكنه يرسم الخطوط العامة فهو أشبه ما يكون بخارطة مفاهيمية للموضوع ودليل إرشادي معين لتوليد ما يشاء كاتب السيناريو والمخرج والعاملين على الفيلم من أفكار إبداعية  خلّاقة ، وصور ومشاهد وحوارات ، فهو يتناول الظاهرة وملامحها وآثارها وأسبابها وبعض الاقتراحات لتفاديها ، سائلاً المولى القدير أن تقوم بالمهمة وأن ينفع بها القارئ والكاتب . ملامح الظاهرة لهذه الظاهرة ملامح يدركها باعتقادي كل من يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي (سناب شات) و (تويتر) و(الواتساب) ومن قبله (انستقرام) و(كيك) و(فيسبوك) . وحين نرى الحسابات التي تنشر النكا...

أطفال تحت لهيب السياط

انتشر بالأمس مشهد أثار ضجة واسعة الصدى ، وحمّى من الضحك والهزلية في وسائط التواصل الإجتماعي . يُظهر المشهد أطفال وهم يلعبون داخل المنزل في صالة الجلوس والمتعة بادية عليهم ، في لحظة تبدلت البهجة إلى وجوم حين دخل ( العم ) وبيده سوط يوجهه إلى الأطفال ويضربهم به وهو يقول لكبيرهم : "تلعب بالمجلس يا بن كلب! ياملعون الوالدين! المجلس للرجاجيل وموب للعب، لعنة الله على أمّن جابتك ، رتب المجلس يابن الكلب"، ثم يُختم المشهد ببكاء الطفل واعتذاره ، انتهى . تباينت ردود الفعل ، وغالبها كانت هزلية تتعاطى المشهد باستمتاع بمشهد الأطفال وهم يُجلدون ويُلعن أبيهم وأمهم ، وبعضهم تبرع وأصبح محامياً عن ( العم ) وعن العادات تجعل للضرب دوراً مرموقاً في التربية - وربما في التشفي وتفريغ شحنات الغضب على الأجسام الغضة ، وأخرى حقوقية ترفض هذا التصرف بصفته لون من ألوان العنف . ولست هنا لأرفض مبدأ العقاب بالضرب جملةً ولا بقبوله جملةً ، إنما لأتساءل إن كان هذا الذي رأيناه هو ضربٌ منضبط وفي موضعه أم ضرب تجاوز الحدود الأدبية والأخلاقية والإنسانية ؟ نعود قليلاً للصورة : العم يظهر للأطفال وهو يحمل س...