أطفال تحت لهيب السياط

انتشر بالأمس مشهد أثار ضجة واسعة الصدى ، وحمّى من الضحك والهزلية في وسائط التواصل الإجتماعي . يُظهر المشهد أطفال وهم يلعبون داخل المنزل في صالة الجلوس والمتعة بادية عليهم ، في لحظة تبدلت البهجة إلى وجوم حين دخل ( العم ) وبيده سوط يوجهه إلى الأطفال ويضربهم به وهو يقول لكبيرهم : "تلعب بالمجلس يا بن كلب! ياملعون الوالدين! المجلس للرجاجيل وموب للعب، لعنة الله على أمّن جابتك ، رتب المجلس يابن الكلب"، ثم يُختم المشهد ببكاء الطفل واعتذاره ، انتهى .

تباينت ردود الفعل ، وغالبها كانت هزلية تتعاطى المشهد باستمتاع بمشهد الأطفال وهم يُجلدون ويُلعن أبيهم وأمهم ، وبعضهم تبرع وأصبح محامياً عن ( العم ) وعن العادات تجعل للضرب دوراً مرموقاً في التربية - وربما في التشفي وتفريغ شحنات الغضب على الأجسام الغضة ، وأخرى حقوقية ترفض هذا التصرف بصفته لون من ألوان العنف .

ولست هنا لأرفض مبدأ العقاب بالضرب جملةً ولا بقبوله جملةً ، إنما لأتساءل إن كان هذا الذي رأيناه هو ضربٌ منضبط وفي موضعه أم ضرب تجاوز الحدود الأدبية والأخلاقية والإنسانية ؟

نعود قليلاً للصورة : العم يظهر للأطفال وهو يحمل سوطاً ، وبسبب لعبهم في غرفة جلوس إنهال عليهم ضرباً وشتماً ولعناً .

نقول إن شاء الله أن جميع من يقرأ هذه السطور سيتفق معي أن ( اللعن ) أمر مرفوض في التربية على أقل الأحوال ، وجميعناً يعرف ماذا يعني ، وأن الشتم وتشبيه الإنسان بالحيوانية ليس أمراً محموداً ، وأن السوط الذي يضرب فيه السجناء والمجرمين سيكون وجوده أمراً غير مفهوم حينما توقع العقوبة على غلمان بسبب لعبهم في غرفة الجلوس! . . . .

وربما يقول قائل : ألا ترى معي أن الطفل المضروب قد رفع المقطع بنفسه إلى الفضاء العام ليري بنفسه هذا المشهد الطريف فهو بذلك لم يتأذى بل أخذ الموضع بشي من الطرافة فيما بعد ؛ فلماذا تهوّل الأمر وكأنك أمام جلاد وضحية ؟ إنتهى .

ولست أرى هذا القول إلا حمقاً وقلّة عقل ! ألست ترى ياهذا أن الطفل لم ينشر هذا المقطع إلا بعد أن تعود وتبلدت أحاسيسه تجاه عقوبة كهذه ؟ وهذا يعني أن الضرب فقد فاعليته التربوية ، ثم إن هذا الطفل المسكين الذي تعايش مع هذه الأداة العقابية ، وربما أمسى عليها وأصبح ، قد تطوّرت أحواله إلى الحد أصبح بسبب تعايشه مع هذه الأداة يراها حلاّ قريباً لكل مشاكله ، الأمر  الذي سيحوله يوماً إلى ( جلاّد تحت الإعداد ) أو إن شئت أن تقول ( جلاّد تحت التدريب ) ولن يوفر جهداً تجاه زملائه المساكين في المدرسة لممارسة هذه الهواية المسلية ، وسوف لن يفّوره بطبيعة الحال مع أطفاله المساكين في المستقبل إلا أن يشاء الله .

وليس قصدي هنا هي هو استهداف هذا  ( العم ) غفر الله له وهدانا وإياه وحفظ له أبناءه ورعاهم ، إنما هو اهتبال الفرصة لترسيخ مفهوم ومبدأه الذي يحطم صنف العنف والتعانف الإجتماعي .

وقراءة يسيرة في الأحاديث النبوية أخي الكريم  في رياض الصالحين وغيره من كتب السنة وهي تتحدر من لسان المصطفى صلى الله عليه وسلم لؤلؤية مشعّة كالدر المنظوم ومن أفعاله عبر مسار الزمن الكريم رحمةً للعالمين للأطفال والكبار والصغار ، ستجعلك تدرك - إن شاء الله - اللون الراقي من الهدي النبوي في تربية الصغار بالرحمة والرفق والصبر والتعليم والتأديب .

( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنةٌ لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً )

عبدالله العريفي
الثلاثاء ١٣ جمادى الآخر ١٤٣٧ هـ

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أمام النافذة

التنظيم العضوي

القراءة العمودية