أمام النافذة
تطل الشمس بخجلها على الكون معلنة صباحاً هادئاً ومريحاً، مرسلة أشعتها على الجروف الصخرية للهضبة العظيمة، معلنة صباحاً يمسح عن جبين الليل أتعابه وهواجسه. من نافذة الشقة المستقرة على الجرف الصخري أجلس مسمراً عيناي لهذا المشهد المهيب، الوادي الواقع أسفل الهضبة والمتعرج بين تلاعها الذي يشقه طريق أسود يلتف كالحية ويذهب متلاشياً مع الأفق. والندوب الحمراء على الجروف الصخرية الذي تصبغها بحلة نجدية. والسماء الشاسعة فوقها تمتد بزرقتها الصافية، يخترقها عمودان من السحاب المتقطع. تعبر نسائم صباح تشرين الثاني الباردة مباني الحي المتناثرة على امتداد الهضبة وكأنها أم تهدهد رضيعها النائم. تجول هذه الأنسام فوق الأسطح وحول الأبواب والنبات في البقعة الهاجعة. تتحرك مع حركة النفس هذه النفس في اتساع اقطارها وكأنها الكون باتساعه. إذا ما وقت الفكرة فيه فكأنها الحصاة الصغيرة تقع على البحر الهادر. تمعنت في أمر النفس في شبهها بالبحر فوجدت عجباً. فها هو هذا البحر بما في سطحه ينشعب إلى أشكال وحركات وأحوال لا تحصى. فها هو البحر بسكونه وصفاءه وهدوءه ورسميته حين تهدأ أمواجه وتصبح تطرق الشاطئ طرقاً إيقاعياً متروياً رتيباً. وها هو بغضبه وزمجرته حين يزفر ويلعب بالمركب في قلب العاصفة الهوجاء ذات البروق والرعود فيقلبها ذات اليمين وذات الشمال كالمارد يلعب في فريسته. وها هو البحر في توسطه حين يتلوى كالحسناء في أمواج بهيجة لامعة، فتنعطف أمواجه كصفحات الذهب عند الغروب. وهذا هو البحر في سكونه وجموده حين يخيب أمل الزائرين والمصطافين. وهاهو البحر حين يكون صوته رخياً عذباً مهدهداً لمن أضناهم السهر. وهاهو حين يكون صوته لاذعاً مخيفاً كالرصاص في موجات الكبرى التي تحشر الناس وتدمر كل شيء على الشواطئ المنكوبة. فالنفس كالبحر في تلون أحواله. لا يقر لها قرار ولا يدوم لها حال. فيا رب هذا البحر ويا رب هذه النفس ارزقنا طمأنينة ترحم بها قلوبنا، وسكينة تسكن بها أوجاعنا، وأفض علينا من بركاته، ولا تحرمنا نفحات فضلك يا كريم.
تعليقات
إرسال تعليق