العقل المرن


أضحت المرونة الذهنية Cognitive flexibility اليوم شرطًا أساسيًا من شروط كفاءة التفكير، خصوصاً مع وفرة المعلومات وتعقد الظواهر، وقد نظن أن كثرة المعلومات تؤدي إلى تحسين التفكير، وفي الحقيقة أن هذا لا يحدث ما لم نمتلك قسطًا ملائمًا من المرونة الذهنية . في المجال الإنساني هناك علاقات لينة تربط بين الظواهر ، في حال عدم فهم هذه الطبيعة يتم قراءة الظواهر بصورة خاطئة . وللأسف الشديد نجد أن كثيراً من الناس لا يفهم من هذا المصطلح سوى التراجع والاستسلام .. وبالتالي يتحول من نقطة قوة إلى عيب من عيوب الشخصية! (بكار 1408 هـ)

ويعرف د. جودت سعادة (المرونة) بأنها:

المهارة التي يتم استخدامها لتوليد أنماط أو أصناف متنوعة من التفكير، وتنمية القدرة على نقل هذه الأنماط وتغيير اتجاه التفكير، والانتقال من عمليات التفكير العادي أو المعتاد إلى الاستجابة ورد الفعل وإدراك الأمور بطرق متفاوته أو متنوعة. (تدريس مهارات التفكير 219)

أ- من مظاهر المرونة الذهنية القدرة على النظر لأي موضوع من زوايا مختلفة والقدرة على تغيير اتجاه التفكير وتوليد أنماط جديدة للتفكير، وتسمى علمياً بالمرونة التلقائية Spontaneous flexibility وتلك القدرة تثري الفكر وتجعله يتجاوز النظرة الأحادية من زاوية واحدة ، فإذا قدر لك وأن شاهدت بناية فلا يتسنى استيعاب أبعادها حتى تشاهدها من زوايا كثير من الأمام والخلف واليمين واليسار ومن فوق ومن الداخل والخارج، وكذلك حين تعالج فكرة أو تحل إشكال؛ فالمرونة تتطلب توليد صور مختلفة ومن زوايا متعددة لذات الفكرة .

ب- القدرة على التكيف مع الأوضاع الجديدة أو ما يسمى بالمرونة التكيفية Adaptive flexibility فحينما نوضع في موقف ما يتطلب هذا تعديل التفكير والاهتمام بما يتناسب مع التغير والمعطيات الجديدة ، العقل المتصلب يتعامل مع الموقف بالنمط ذاته الذي كان قبل الموقف متجاهلاً اعتبار التغير في البيئة والمعطيات.

جـ- المرونة الذهنية هنا تشير إلى القدرة على الانعتاق من (القولبة) والنماذج الجاهزة فحين يسود نمط معين من التفكير يتعامل مع الناس على أنه من قبيل المسلمات -وليس بالضرورة أن يكون كذلك-؛ فإمكانية العقل البشري على التأبي على القولبة تجعله أقدر على أدراك الحقائق، وهذا يستدعي أحياناً تعرية الألفاظ مما يعلق بها من جوائب التقليد والاستعمل ، وإعادة تعريف بعض المفاهيم السائدة.

د- المراوحة المستمرة بين الأصول والفروع أو بين النظرة الشمولية والنظرة الجزئية التفصيلية؛ فتستدعي سلامة التفكير الربط المتواصل في الذهن بين ما هو أصل وقاعدة وماهو من المسائل الفرعية ، فمن التصلب التركيز على الجزئيات وإهمال الكليات أو العكس صحيح حين يركز على الكليات ويهمل الجزئيات ، ومثال آخر: هو التركيز على النظرة الشمولية والنظرة الجزئية في آن واحد فحين يرسم الرسام المبدع لوحته عن السفينة -مثلاً- فهو يراعي مشهد الصورة العام مع تفاصيل دقيقة مثل رغوة البحر وملمس خشب السفينة ولمعة المرساه ووجوه البحارة .

هـ- إدراك العلاقات المتدرجة بين الأشياء فالحرام مثلاً ليس درجةً واحدة؛ وإنما هو درجات؛ فليست حرمة الغيبة مثل حرمة قتل النفس أو الزنا؛ والفرائض أيضاً درجات، فوجوب الصدق ليس كوجوب الصلاة أو الزكاة ... 
فهناك في العادة أوساط متدرجة للأفكار كالمشهد المليء بالألوان فإدراك الحقيقة من خلال عقل مرن ستكون كإدراك الكاميرا التي تلتقط كل الألوان بتدرجاتها و أما العقول الأحادية المتصلبة فترى الصورة خطوطاً وأشكال سوداء وبيضاء تنقل الحقيقة مشوههة وناقصة . (التنمية المتكاملة 68)

وللمرونة مظاهر وصور كثيرة وحسبنا إعطاء لمحات حول مفهوم المرونة ومظاهرها ، وبالله التوفيق.

عبدالله يوسف العريفي
الأربعاء 7 ذي القعدة 1437 هـ

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أمام النافذة

التنظيم العضوي

القراءة العمودية