معالم في الإنصاف



لعل من أهم ما ينبغي العناية به في عصرنا هذا هو خلق الإنصاف ، والإنصاف فرع من قيمة العدل ، والعدل قيمة مطلقة ليست مقيدة بمكان ولا زمان ولا ظرف فالعدل واجب لكل أحد ومع كل أحد وفي كل الأحوال وليس هناك استثناء يذكر . وإن ما يميز أهل الحق عن أهل الأهواء أن أهل الحق يقولون مالهم وما عليه بما يوافق رغباتهم ومصالحهم وما لا يوافقها، وأهل الأهواء والمبطلين لا يقولون إلا ما لهم .

والإنصاف فيما أتصور يدور على ثلاثة محاور إحداها الإنصاف مع الخصوم فحين الخصومة ينبغي أن تعترف بفضائل خصمك كما تشير إلى مثالبه وأن لا تتجنى عليه أو تتقول عليه ، وثانيها الإنتصاف من الذات ، حين تشتد البصيرة بالنفس فتنطق بعيوبها وتتراجع عن أخطائها ، وثالثها إنصاف الأصدقاء والمحبين فحين يعقد الولاء والمحبة بين مجموعة يدفع هذا بعضهم إلى التعصب والمبالغة في الفضائل والتبرير للأخطاء .

وسأسلط الضوء بإذن الله في هذه المقالة على جملة من المعالم على طريق الإنصاف والقيام لله تعالى بالقسط في التعامل مع الآخر، فهي تلك الفضيلة الإسلامية الشريفة المبثوثة في كتاب الله التي تستحق منا كل العناية : ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ). 

وأولى تلك المعالم:

أ) البعد عن (التطفيف) ونعني بالتطفيف هنا الكيل بمكيالين ، فالمعيار للحكم على (الذات) يكون في هذه الحالة متباين مع ذلك المعيار في الحكم على (الآخر) أقصى درجات التباين، ( الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون ، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ) فهذا التخسير في الميزان نابع من تضخم في الشعور بالذات ، يحجب عن رؤية الحق وإنصاف الغير .

فترى أحدهم حينما يخطئ فرد من جماعته أو حزبه أو قبيلته يستخدم معه منطق التبرير فهذا الفرد عنده معذور وهو مجتهد مأجور دائر بين الأجر والأجرين وهناك الكثير من الظروف لولاها لما لجأ لهذا السلوك، في حين تراه يستخدم منطق آخر حين يتعامل مع خطأ فرد خارج نطاق جماعته وحزبه فلا تسعه الأعذار التي وسعت صاحبه الأول فهذا الآخر عميل وخائن وتغريبي ومميع ويجب التحذير منه، وربما كان خطأ الأول ليس بعيداً عن خطأ الآخر وربما كان أكبر وربما كانا في الأعذار سواء . لكنه التطفيفَ! ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون؟

صورة أخرى دقيقة من صور التطفيف التقطها الشيخ سليمان الماجد حفظه الله في أحد مؤلفاته بذكاء بارع وهي أن بعضهم يتعامل مع المعاصرين بميزان مختلف مع المتقدمين، يقول: (... ولا تكون المعاصرة، أو كون المخالف مقدما عند طائفة حاضرة سبيلاً للكيل بمكيالين. فتراه ينافح عن ابن حزم والنووي وابن القيم والشوكاني، ولكنه يسيء الظن بأخيه المعاصر، وربما كان قوله دون قولهم).

ب) هناك داء لا أبالغ إن قلت أنه واسع الانتشار وهو يبدأ من الولع بالتصنيف فهذا حسب تعبيرهم ينتمي إلى السرورية والآخر من التنويريين وهذا من الليبراليين وهذا من اليساريين وهذا الليبروإسلاميين وهذا من الجاميين ، وهكذا قائمة تطول من التصنيفات والخرائط والتقسيمات. ولو وقف الأمر عند هذا لهان الخطب ، لكنه ينتقل لطبقة أسوء من هذه فيبدأ بتنميط الناس حول هذا التصنيفات وإسباغ خصائص لهم وصبهم في هذه القوالب دون مراعات الفروق والاختلافات بينهم وإرادتهم الحرة وإستقلالهم ، وهذا تراه كثيراً من تويتر وغيره من وسائل التواصل وقد يستضاف أحد أهل العلم في مؤتمر دولي ينظمه جمعية ذات فكر معين مخالف ، فيتم اعتبار مشاركته على أنها إنضمام للواء ذلك الفكر!، وقد ننتقل للطبقة الأخطر وهي تعميم الأحكام والسلبيات على هذا الصنف فهذه الجماعة كذابون وهؤلاء خونة وعملاء وهؤلاء خوارج وهؤلاء عبيد للسلاطين وهكذا . حتى نخرج كلياً عن مربع الإنصاف والعدل والقيام لله تعالى بالقسط!.

طالما فكرت وحمدت الله أن رحمته جل شأنه أن لم يجعل دخول الجنة والنار بأيدي البشر، فالله سبحانه من تمام عدله لا يحاسب الإنسان على خطأ جماعته أو قبيلته إنما يحاسبه على عمله هو (ولا تزر وازرة وزر أخرى) وسوف يأت الجميع إلى ربه فرداً ( وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً ).

جـ) عدم التشنيع على المخالف .... يحدث كثيراً عند وقوع الاختلاف بين الناس في مسائل قد تكون صغيرة أو كبير، وقد تكون في حق وقد لا تكون ، أن يتجاوز الأمر النقاش بعقلانية إلى الفجور في الخصومة والتشنيع على المخالف . 

وقد قرأت لأحد الكتاب الشرعيين –مع الأسف-  كلاماً يصف فيه أحد الدعاة المعروفين بالاعتدال وسلامة المنهج ، بأنه من الإسلاميين الجدد أو (التنويررين) -كما تحلو له التسمية -، وأنه من الذين يهدفون إلى التحالف مع قوى غربية خفية أو هو على الأقل خاضع للتأثير التغريبي على أحسن الأحوال، وأن القوى الغربية سعيدة بصعود نجم ذلك داعية ثم يفتح للقارئ المجال ليتخيل اللقاءات والصفقات التي تتم بين هذا الداعية الفاضل وبين السفارات الأمريكية والسي آي أيه!، مع العلم أن ذلك الداعية لم يعرف عنه إلا السيرة الحسنة والصدع بالحق أمام القاصي والداني مع سعة في الصدر واعتدال في المنهج وأثبتت الأيام بحمد الله عدم صدق تلك الطعون والمزاعم، ولست في صدد تفنيد هذه الأسطوانة التي تظهر بين الفينة والأخرى لكني أشير هنا إلى أن التشنيع على المخالف كثيراً ما يجرح صفاء الإخلاص للحقيقة وصفاء الأخلاق الراقية.

وقد يلجأ بعض الغلاة كما رأينا في أعقاب الثورة السورية وفي البلاد العربية عموماً إلى التكفير باعتباره سلاح ضد المخالف المسلم، فتجد أن الواحد منهم يكيل صكوك التكفير بالمجان لأدنى اختلاف ثم يتبع متوالية التكفير ( من لم يكفر الذي كفرناه فهو كافر ) ويفعل ذلك دون شعور بمسؤولية الوقوف أمام الله حيث جاء في البخاري قوله صلى الله عليه وسلم : (من قال لرجل يا كافر أو يا عدو الله وليس كذلك إلا حارت عليه) .

وقد يلجأ آخرون لتكفير مبطن كآخر الأسلحة وهو في نظرهم أخف من التكفير والأمر ليس كما يعتقدون، وهو الرمي بالنفاق والزندقة  في مسائل وإن كانت مخالفه ، لكن لا يكفر بها الإنسان . وكل هذا من التشنيع المرفوض والفجور في الخصومة وكما قال تعالى ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ).

د) من معالم الإنصاف الاعتراف بمحاسن الغير مهما بلغت درجة الاختلاف معهم ، وحتى في أولئك الذين نختلف معهم في الدين، أنظر إلى قوله عليه أفضل الصلاة والتسليم ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) فالنبي صلى الله عليه وسلم أقر أن في الجاهلية ذلك العصر المليء بالوثنية والشرك والكفر بالله أن فيه أخلاقاً حميدة وخصالاً شريفة ، وفي حديث آخر ورد في صحيح مسلم أن المستورد القرشي قال عند عمرو بن العاص سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( تقوم الساعة والروم أكثر الناس فقال له عمرو أبصر ما تقول، قال أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالا أربعا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك.) والحديث يغني عن التعليق!
والشواهد في ذلك كثيرة جداً ، فمن غير الصحيح الظن أن تشويه الخصم وطمس حسناته يساعد في مغالبته وإفحامه ، إنما سيكون الإنصاف وذكر ما هو مشاهد من المحاسن أقرب للحق ويحسن استجابته لدعوتك .

هـ ) ومن سمات الإنصاف تلك الموازنة العادلة بين السلبيات والإيجابيات خصوصاً عند الحكم على الشخصيات ، فيتم الحكم على الأشخاص بما يغلب على حالهم ، فمن غلب على حاله الصلاح حكم بصلاحه ولو أتى ببعض المخالفات في الأحكام والاعتقاد والسلوك ، والعكس صحيح . وهذا الأمر غاب كثيراً عن الوعي حيث تجد مجرد ما تقع أعين بعض الناس على خطأ عالم أو مثقف أو حاكم يغلب على حالهم الصلاح والعدالة ، حتى بدى الأمر كما لو أنه سقط من أعينهم وذهبت ثقتهم به أدراج الرياح وحصل المجال للنيل من عرضه والتشنيع عليه . يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله : ( وكثير من الناس إذا علم من الرجل ما يحبه ، أحب الرجل مطلقاً ، وأعرض عن سيئاته، وإذا علم منه ما يبغضه أبغضه مطلقاً وأعرض عن حسناته ...) 

ويقول تلميذه ابن القيم نحواً من هذا الكلام :( ... من قواعد الشرع والحكمة أن من كثرت حسناته وعظمت، وكان له في الإسلام تأثير ظاهر فإنه يحتمل منه مالا يحتمل من غيره، ويعفى عنه مالا يعفى من غيره؛ فإن المعصية خبث، والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث.... وهذا أمر معلوم عند الناس مستقر في فطرهم أن من له ألوف من الحسنات فإنه يسامح بالسيئة والسيئتين، وكما قيل:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد        جاءت محاسنه بألف شفيع). اهـ.


و) المخالفين طبقات ومراتب شتى وليسوا مرتبة واحدة ، البعض يفهم الأمور على طريقة بوش الإبن ( من لم يكن معي فهو ضدي ) ، جاء القرآن الكريم برؤية مغايرة تماماً لهذه النظرة القاصرة والحدية ، حيث جاء في القرأن أن أهل الإيمان مراتب وأهل الكفر مراتب ، فمن أهل الإيمان من هو ظالم لنفسه ومنهم من هو مقتصد ومنهم من هو سابق بالخيرات ، وكذلك غير المؤمنين منهم من هو من جملة أهل الكتاب ومنهم المشرك ومنهم الملحد وأهل الكتاب مراتب فهناك البعيدين وهم اليهود ومنهم القريبين وهم النصارى . فأهل الكتاب أقرب إلينا من المشركين والملاحدة!.

وفرق كذلك في المعاملة بين المحاربين والمسالمين : ( لا ينهاكم الله عن اللذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ) .

 يقول تعالى : ( ليسوا سواءاً من أهل الكتاب أمة قائمة ) وفي الآية الأخرى : ( ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ) وهذه الوصايا وغيرها تجعل المؤمن يتربع في قمة الموضوعية والإنصاف والخلق الرفيع .

ز) السعي في مغالبة الأهواء، فالانصاف من الأمور الصعبة و مما عقد عليه الابتلاء،ويتطلب الارتفاع عن المزاج والمصالح المباشرة ويستدعي الاستقرار عند احترام الحقيقة والاعتراف بها.

 والهوى داء قلبي ينعكس انعكاس مباشراً على نظرتنا للأمور وحكمنا عليها ، والنفس الأمارة لاتزال توسوس للإنسان وتغريه وتغويه ليطغى ويبغي ويظلم ويتجاوز الحقائق والبراهين ويعمى عنها ، هناك من جملة الأهواء ما ينطوي على نية فاسدة ومقصد سيء ويكون الارتفاع عن هذه الأهواء بالمجاهدة المستمرة للنفس ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) .   

وهناك من الأهواء ماهو دون ذلك ، تكون حين نخلط بين الذات والموضوع ويشير إليها ويوضحها الأستاذ برهان غليون في (اغتيال العقل) يقول أنها : ( الشروط النفسية والثقافية و وأوهام العصر التي تتحكم بكل علاقة بين الذات المفكرة وموضوع التفكير ، وبغض النظر عن وعي الباحث بها من عدمه . فليس من الممكن التعامل مع موضوع دون التفاعل معه بعاطفه إيجابية أو سلبية ... ) ثم يقول : ( إن تخطي المحدودية الشخصية والاجتماعية والتاريخية يتطلب الاعتراف بها أولاً ، ثم الكفاح الواعي من أجل التقليل من أثرها ، ومغالبة الذات الدائم ضد ميل الإنسان الطبيعي إلى اتباع أهوائه الخاصة ... ) ...( وتستدعي محاربة الأوهام مغالبة ذاتية مستمرة وتمرساً عليها يجعل المرأ يتجرد شيئاً فشيئاً عنها وتخلق لديه قدرة على الارتفاع إلى رتبة الحكم والنظر والموضوعي).

وهذا ما تيسر ذكره من معالم في طريق الإنصاف والعدل والموضوعية في التعامل مع الأفكار والشخصيات وفي التعامل مع الذات والآخر ، وهناك الكثير مما يمكن أن يقال لكن حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق ، والله من وراء القصد.

عبدالله العريفي
الأحد 12 ربيع أول 1438 هـ


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أمام النافذة

التنظيم العضوي

القراءة العمودية