الموقف من الجديد


يستهلك البشر الكثير من التقنيات والوسائل والأساليب والنظم ، حتى يمر عليها فترة من الزمن فتفقد فاعليتها في حل المشكلات المعاصرة . وهذا يولد الحاجة الملحة لاستخدام أساليب ونظم جديدة للتعامل مع مشكلات العصر . وفي الوقت نفسه يٌولَد باستمرار في هذا العالم الكثير من الوسائل والأساليب والتقنيات التي تعالج المشكلات الجديدة ، وهي نفسها لها مدة صلاحية تنتهي يوماً ما ثم يأتي غيرها... وهكذا تتقدم الخبرة البشرية وتنمو وتتطور.

يقف كثير من الناس –إن لم يكن أغلبهم!- من الجديد موقف التوجس والريبة والرفض أحياناً ، وذلك بسبب أن الجديد سيضطرهم إلى كسر الأنماط والعادات التي اعتادوها وورثوها كابراً عن كابر ، ولو لم يكن لتلك العادات أي مستند شرعي أو عقلاني ، وإن مما يؤسف له أن يتمسك بعض الناس بعادات وتقاليد بالية يضحون من أجلها بالكثير الكثير من المصالح والمنافع لأنها عاداتهم ليس إلا!. و الأسوء من هذا تقديم العادات والتقاليد على المنهج الرباني، فيكون الدين في هذه الحالة جزء من الثقافة وليس العكس، مع أن الصواب أن يكون الدين هو الحاكم على الثقافة والمهيمن عليها. والدين الإسلامي في بنيته العميقة فيه من المرونة والواقعية ما يستوعب التطورات الإيجابية للخبرة البشرية العالمية ويوظفها للسمو بالإنسان.

وهناك سبب آخر لتمسك الناس بالطرق والأساليب المألوفة ؛ وهو لأنها سهلة وآمنة وقريبة وميسورة ويفعلها الإنسان بكل استرخاء ودون الاضطرار لخوض مغامرة ما أو خوف من نقد أحد. وهذا ما يدفع كثير من المجتمعات لمقاومة الجديد لأن الجديد لا يعني إلا الخروج من منطقة الأمن إلى منطقة الخطر ، ومن منطقة السهولة إلى منطقة المشقة ، ومن الحلول القريبة المطروقة إلى الحلول التي تحتاج قدر ومن التفكير العميق المعقد والتخطيط والمجازفة ، ومن حالة الانسجام الاجتماعي إلى حالة التباين الاجتماعي وهكذا..

وسبب آخر! هو أن الحالة المزاجية للإنسان الضعيف المحبط تجعله يشعر بالهلع تجاه أي تغيير يحصل، بعكس الذي يعيش حالة من الثقة والتفاؤل والقوة فإنه حين إذ على استعداد أكبر للانفتاح على الوافدات الجديدة. وخوض تجارب غير مسبوقة ولو احتاج إلى قدر من المغامرة والمجازفة.

يتخذ قسم آخر من الناس موقفاً لا يقل سوءاً وهو الموقف الاستسلامي أمام الوافدات الجديدة ، فيتقبلها بغض النظر عن جدواها على الصعيد الروحي والأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي ، وخير مثال على هذا الهوس بتتبع صرعات الأزياء وقصات الشعر (نيو فاشن) ، أو ما هو أخطر من هذا من الاستسلام للصرعات الثقافية الوافدة التي قد تحمل مدلولات ومضامين تخترق الإطار الحيوي للثوابت الدينية والأخلاقية . وهذا الموقف الاستسلامي يعبر عن نوع من الانهزامية الثقافية ، تحدث حين تكف الثقافة عن العطاء وتبتعد عن منطقة الهوية لتبدأ بالذوبان في ثقافة الآخر، ولا علاج لهذه الحالة سوى رفع راية الاستقلال الثقافي .

الجديد في حقيقته قد يمثل فرصة من الفرص وقد يمثل أزمة من الأزمات ، لكن في غالب الحال هو أمر خليط بين الأزمة والفرصة . القبول بالجديد يتطلب دفع تكاليفه عن طيب خاطر ، فهو يتطلب قدرة عالية على التكيف والتعلم والمغامرة والمجازفة وشيء من المعاناة. ولكن ترخص تلك الأثمان مقابل بهجة التجديد ومزاياه الغزيرة والمعالجات الفعالة للأزمات والإشكالات المعقدة و في دفعه لحياة الناس إلى الأمام وتحقيق الكثير من المنافع والمصالح .


الموقف الراشد من الجديد يقتضي معرفة ممتازة بالجديد الذي يقبل والجديد الذي لا يقبل . و يتمثل كذلك في الانفتاح على الوافدات الجديدة ثم تقييمها ومعرفة الفرص التي تحملها والأزمات التي تولدها، الموقف الراشد هو موقف (عقلاني)، يدرس مشروعية إدخال التغيير المقصود ، ثم يدرس جدوى هذا التغيير ويعمل موازنات بين المصالح المختلفة. فهو لا يتخذ موقف سلبي من الوافدات الجديدة لأنها جديدة أو غريبة أو غير مألوفة فحسب ، إنما لديه ترقب واحتفاء وترحيب بالأفكار الجديدة النافعة فالحكمة ضالة المؤمن أنا وجدها فهو أحق بها. وليس لديه في الجانب الآخر استسلام أعمى لأي فكرة جديدة ولو كانت أسخف من السخافة نفسها!. بل هو نوع فريد من (التجديد الواعي) الموجه والمثمر ، والله مولانا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أمام النافذة

التنظيم العضوي

القراءة العمودية