قبسٌ من أيوب

عليه السلام ، وردت قصته في القرآن وكان عبداً صالحاً أواباً ونبياً كريماً من الأنبياء الكرام الأطهار. وقصته ذائعة ومشهورة وبها تضرب الأمثال في في الصبر الجميل على الابتلاء بالآلام والمحن والجوائح . تقول الروايات أن الله قد أنعم عليه بالثروة العظيمة والمال والصحة والقوة والمسكن الواسع والأسرة السعيدة والزوجة الصالحة والأبناء ؛ فكان دائم الحمد لله والثناء عليه وشكره على أفضاله . فحفظ تلك النعم بالإيمان والطاعة والعبادة والصلاح ، فأراد الله أن يبتليه ويختبره وكذلك الصالحون والأنبياء هم أعظم الناس بلاءاً . فذهبت ثروته ثم مات أبناءه جميعاً وهذه والله من أعظم ما يحل بالإنسان من المصائب أن يموت أحد أبنائه ، فكيف بمن يموت أبناؤه جميعاً أمام عينيه . ثم بدأت الأمراض الخطيرة تدب في جسمه ، واشتد المرض حتى أصبح طريح الفراش فخيم الفقر والفقد والوحدة والمرض العضال المزمن !. فتغير لونه ورق جلده واستمر هذا  المرض زمنا طويلاً ، وقد كانت زوجته رحمها الله بجانبه تعتني به وترعاه ، وبقي عليه السلام ذاكراً لله محتسباً يلهج لسانه بذكر الله وحمده وتقديسه والثناء عليه ، لم يسخط ولم تجزع نفسه ، بل كانت روحه محلقه في سماء الإيمان ، و وجد في الظلال الوارفة من الصبر الجميل سعادة روحية ، بددت آلامه وبدلتها إلى راحة وطمأنينة وسلام. وكأنه قد استوت لديه سراء الحياة وضراؤها وغناها وفقرها، لأن حلاوة الإيمان تحيل الضراء إلى سراء . والقناعة التي تملأ قلبه يستوي فيها الفقر والغنى فإن اغتنى شكر وإن افتقر صبر فأمره كله خير وغنى نفسي. وكانت زوجته الصالحة مؤمنة صابرة ملازمة له ترعاه وتطببه وتأتي له بالطعام والشراب وما يصلح شأنه. ومضى على هذا زمنا طويلاً لم يشتكي لأحد ولم يسخط من الحال بل بقي على حاله في الإنابة والذكر والحمد والتسبيح ، حتى كانت تلك الساعة الهادئة التي بلغ فيها الألم ذروته فرفع نداءه إلى السماء.

( وأيوب إذ نادى ربه : أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين . ) يا الله! ما أعذبه من نداء وما أرقه من دعاء فلم يذكر طلبه تأدباً مع الله وحياءاً منه . 

وإن صاح أيوب كان النداء:
لك الحمد يا رامياً بالقدر
ويا كاتباً بعد ذاك الشفاء!

ثم يأتي الأمر الإلهي : اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب . فاستجاب لأمر ربه ومولاه فضرب الأرض برجله ضربة تفجرت منها ينبوع مياه باردة منعشة ، تذهب الأدواء والعلل الظاهرة والباطنة . فشرب حتى روي واغتسل من ذلك الماء الطاهر . فحدثت المعجزة أن دبت الحياة في أعضائه واختفت منه الأمراض وعاد إلى صحته وقوته  ، فدخلت عليه زوجته ( رحمة ) فحسبته من الدهشة رجلاً آخر ولم تتعرف على ملامحه ، حتى أخبرها أنه أيوب . نعم أيوب بصورته الجديدة !. وأخبرها بما صنع الله له من معجزة الشفاء ؛ فتذكرت صورته قبل مرضه فعرفته . وأشرق وجهها بالنور ، وفاضت روحها بالبشر ، وتبددت تلك الأحزان التي حملتها في سالف الأيام ، واستقبلت مع زوجها حياة جديدة ، فزاد المال وكثر ، وتوالت الأفضال والنعم ، وعوضه الله بأهله الذين قضوا أهلاً آخرين ومثلهم معهم رحمة من عنده سبحانه .
يقول أبو إسماعيل الهروي رحمه الله صاحب (المنازل) : ( الصبر : حبس النفس على المكروه ، وعقل اللسان عن الشكوى ) . . . . ( والصبر في البلاء ، بملاحظة حسن الجزاء ، وانتظار روح الفرج ، وتهوين البلية بعد أيادى المنن ، وبذكر سوالف النعم ) انتهى . 

فملاحظة حسن الجزاء بأن تعرف عاقبة الصبر وجزاؤه كما رأينا في قصة نبي الله أيوب عليه السلام . فهذه الملاحظة تعين على الصبر فيما تتحمله من البلايا . وبعد هذا انتظار الفرج وراحته ونسيمه ولذته حين ينكسف البلاء وتشرق أنوار الرحمة الإلهية ، فإن انتظاره وتأمله يخفف من الآلام وأحمال المشقة . ثم تهوين البلية بتذكر نعم الله وآلاءه الكثيرة التي يعجز اللسان عن عدها وحصرها من النعم السالفة والحاضرة . فبهذا يرتقي المسلم في مدارج الصبر ، اللهم اجعلنا من الصابرين الشاكرين . ( والعصر ، إن الإنسان لفي خسر .إلا الذين آمنوا ، وعملوا الصالحات ، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) .


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أمام النافذة

التنظيم العضوي

القراءة العمودية